اغتصاب وطن - قصة قصيرة
بقلم / عامر محمود
إغتصاب وطن
كان حلم عمري أن أصبح مثل هؤلاء الذين كانت تملأ قصصهم ورواياتهم أدراج مكتبتي، نجيب محفوظ ، إحسان عبدا لقدوس، يوسف السباعي ، العقاد ، طه حسين … كل منهم أثّر في بطريقته وبأسلوبه كنت أتمنى إن ارفع اسم بلدي عالياً لقد باع والدي نصف مايملك حتى أكمل تعليمي وكان فخوراً بى بين أصدقاءه وكان يناديني دائما بالأستاذ محمد وكان دائما يقرأ مااكتب ورغم أنها خربشات صغيرة ومتواضعه إلا انه كان ناقداً لها رغم انه تعليمه لم يتعدي شهادة الإعدادية وكان دائماً يقول لي إني لوا كملت علي هذا النهج وركزت في كتابات العظماء الذين أقرا لهم واكتسبت من كل كاتب أجمل مافيه سأصبح مثلهم وتمر السنوات سريعاً وادخل الجامعه وللمرة الأولى انتقل من قريتي الصغيرة التي لا تسمع فيها صوتاً من بعد صلاه العشاء إلى عالم غريب علي إلي القاهرة الساهرة الساحرة وكنت مأخوذاً بها وكل شيء فيها يسحرني ويشدني وقد اختار لي والدي سكن قريب من الجامعة .
وجاء أول يوم دراسي لي في الجامعة وذهبت وعرفت من خلال قائمه التوزيعات الملصقة بالحائط مكان قاعة محاضراتي وذهبت إليه وربما كانت المرة الأولى في حياتي التي تجلس بجانبي أنثي وكان هذا الشئ يربكني جداً وانا لا أعرف كيف أتعامل ولا استطيع حتى النظر إليها وتمر الأيام وهي كل يوم بجانبي وانا لااعرف حتى اسمها وفى يوم تجرأت ونظرت إليها يالها من جميلة عيناها لهم سحر غامض صاحبه ابتسامه شفافة تحمل كل براءة الطفولة في ذلك الوجه الصبوح .
مريم هذا اسمها …. شعرت إني انظر إليها يالخجلي لا أعرف ماذا أقول لها إذا سألتني ماذا ستقول عني الآن.
مريم تكلمني :( محمد أنت قلقان من شيء )
أرد عليها بسرعة وارتباك (لا لا )
مريم : لو فيه أي شئ أنا زى أختك وأنا عارفه انك من الصعيد مش هنا )
ـــ أشكرك ياانسه مريم
مريم : هو فيه حد يقول لأخته ياانسه بقولك أيه قوم أعزمك على اى حاجه في الكافتيريا
بكل جرأه و براءه منها وترتسم على شفتاي ابتسامه خجولة موافق لكن بشرط أنا اللي ادفع
مريم : موافقة
وذهبنا سوياً كنت ترمي يدها إمامي وكأنه تقول لي امسك يدي وظلت تحاول ولكنني لا أستطيع وحتى وصلنا مازلت محاولاتها مستمرة واخترت أنا أخر طاوله جانبيه في الكافتيريا وكأنني اخشي أن يراني احد فيخبر والدي ويشعر أبى مجرد شعور أني استهرت ولو لحظات هذا على الرغم من إنني متأكد أن بلدنا لايوجد منها احد هنا وبدأ حديثنا أنا ومريم لاحظت أنها فتاه مثقفه تشبهني فى أفكاري تحب كثيراً مما أحب ولكن كان لها ميول سياسة تتكلم بكل جرأه عن النظام لاتخاف شيء وأنا لا افقه شئ فى السياسة ولا أحبها وكلما احاول أخرجها من اى حوار سياسي تعود بي مره أخري وأنا انظر حولي خشية أن يسمعني احد ويبلغ عني مثلما كنت أري فى الأفلام والمسلسلات ألمصريه ومثلما قرأت أيضاً وحتى انتهت من تناول العصير استأذنت مني أن تذهب لأن السائق ينتظرها خارج أسوار الجامعة
فقلت لها وأنا قلبي يقطر دماً ويكاد يقفز من ضلوعى : اتفضلي
وبعد ان ذهبت مريم جلست وحدي افكر يالها من فتاه مرحه مثقفه جميلة كيف جذبتني بهذه الطريقه وبهذه السرعه هل هذا هو الحب اذا لم يكن هو ماذا يكون وانا لم يبقى شى بداخلي فى مكانه كل شيء بداخلي يهتز ظل عقلى شارداً .
الجرسون يااستاذ يااستاذ تشرب حاجه تانيه
ـــ شكراً شكراً حسابك كام
ـــ ثلاث جنيهات
اخرجت من جيبي المبلغ المطلوب وخرجت وعقلى وقلبى مع مريم لم تغيب لحظه واحده عني هي في وكل شىء كتبي ثيابى أروقه حجرتي أري الدنيا كلها تبتسم لي اشعرها فى انفاسي لم استطيع اليوم قراءه أي شيء مريم بين صفحات الكتب فى كل حرف يكتب اسمها حاولت مراراً وتكراراً ابعد صورتها ولكنها تتضح امامي اكتر تبتسم تاره وتاره اخري تتكلم احاول ان انام ولكنني لاانام
مرت الليله مابين الغفوة واليقظه ربما كانت اطول ليلة فى حياتي حتي جاء الصباح انه تاخر كثيراً هذه الليله وانا انتظره وبكل شوق ورتبت نفسى وارتديت اجمل ماعندي لم انتظر ( الباص ) لقد اوقفت تاكسي وقبل ان تفتح الجامعه ابوابها كنت امامها لا اريد الدخول الا ومعي مريم انتظرت لمده ثلاثون دقيقه وبضع ثواني كانت اطول ثلاثون دقيقه تمر فى حياتي
مريم وصلت هي من فى السياره الفخمه من هذا الذى تقبله وتعانقه داخل السياره لماذا لاتنزل من السياره انها تتحدث اليه وتبتسم انها تشير لهذا الرجل تجاهى
ثم ارتفع صوتها مردده : محمد محمد تعالي
ربما وصلت اليها قبل ان تنتهي من جملتها
قالت : ماجد بيه البسيوني رجل اعمال ووالدي العزيز
تكمل التعارف . محمد اللى كلمتك عنه يابابا
ماجد بيه : اهلاً ياابني مريم بتقول عنك كلام جميل ويخرج من جيبه كارت شيك . هذا الكارت خاص جداً بي فيه اسمي وجميع تليفوناتي فى أي وقت اتصل بي انا مثل والدك
ـ شكراً يافندم
فاعطي سائقه اوامره بالتحرك
مريم ايه رأيك فى بابا
ـــ يكفى انه والدك
صمتت قليلاً ثم نظرت الي وقالت وحشتيني
ــ مش ممكن اكون وحشتك زي ماانت وحشتيني
تبتسم مريم وتقهقه بصوت عالي ( محمد بيقول كلام حلو لست مصدقه مااسمع )
ـ انت يامريم تخلي الحجر ينطق
مريم : بتحبني يامحمد
ـ بحياتي ماعرفت الحب الا معكِ
فامسكت بيدي ووضعت اصابعها الرقيقه بين اصابعي وندخل سوياً الجامعه
ومضت اربع سنوات علي حبنا وشوقنا ملتهب لم ينقص قطره بل كل يوم يمر حبنا يكبر معه واقتربت الامتحانات النهائيه والدي ينتظر ابنه العائد من الجامعه وحاملاً شهادته العليا حتي يفتخر بها بين اهالى القرية لم يغب عن تفكيري حلم والدي وحلمي انا أيضاً
مريم : محمد نفسى اتعرف على اهلك اسمع صوتهم
ـ فوراً نتصل بيهم اميرتي تأمر السنترال قريب من هنا خمس دقائق خارج اسوار الجامعة
طلبت رقم هاتفنا واعلم ان مريم ورائى تسجل الرقم
الووووو بكاء وحزن فى صوت والدتي
محمد تعالي ياابني والدك تعبان ونفسه يشوفك
ــ ازاي ومتي انا جاي بأول قطار يخرج من القاهرة
مريم : ماذا حدث خيراً
ـ والدي تعبان جداً وانا لابد ان اسافر فوراً
مريم : المحطه قريبه اوقفت تاكسي وقلت له محطه مصر لوسمحت بسرعه
تحرك بنا التاكسي واطلب منه ان يسرع حتى وصلنا الى محطه مصر وسالت عن اقرب قطار متجه الى الصعيد اجابني موظف حجز التذاكر بعد ساعتين سيتحرك من الرصيف
ـ لوسمحت احجزلي تذكره
موظف التذاكر ( اثنان وثلاثين جنيه من فضلك )
افتش فى محفظتي لا اجد المبلغ كاملاً
اسرعت مريم واخرجت المبلغ من شنطتها
نظرت اليها على استحياء
مريم : احنا واحد وفى وضع مايسمحش انك تعمل فرق
واستلمت التذكره وانتظرت القطار وطيله الساعتين تواسيني مريم وتصبرني وتحاول ان تقلل من الحاله التي انا عليها
وجاء القطار وودعتني مريم والدموع تملأ عيناها وتقول هنتظرك ارجع بسرعة بمجرد وصولك طمني على والدك
اهز راسى مشيراً لها بنعم
يتحرك القطار وكأنه لايمشى انظر حولي ربما اجد مريم فى أي عربه من عربات القطار رغم اني تركتها على رصيف المحطه
مرت الساعات الثقيلة حتي وصلت الى محطة قريتي
عادل صديق الطفولة وابن عمي ينتظرني وبمجرد أن رآني هطلت دموعه وجري الي واحتضنني قائلاً ( الباقيه في حياتك ) لم اسمع بعدها أي شى ولا اعرف ماذا قال من تفاصيل وكانه يتكلم من خلف لوح زجاجي لااعرف الي اين انا متجه لااصدق كيف لم اري والدي مره اخري كيف هذا كيف يموت ابي لمن يتركني من يشجعني من يفخر بي بين اصدقاءه
اقتادني عادل كأنه يقتاد اعمي الى بيته وبمجرد دخولي البيت وجدت ابي ممدد جاهز للقاء ربه
افقدت توازني واصابتني حالة اغماء على اثرها دخلت المستشفي وركضت بها خمسه ايام لا اعرف فيهم شىء
افاقتني امي وهي تبكي وتقول ( محمد لم يبقى لي الا انت رد علي ابوك اخر ماقاله لازم محمد يبقى انسان له وضعه وان يحقق لي حلمي وافتخر به حتى وانا ميت )
كلمات امي التي ترددها صعبه
شيئاً فشيئاً احاول استيعاب مايحدث حولي وا حاول الوقوف مره اخري ولكن هذه المره بدون والدي
ويمر يوم واثنان واسبوع وشهر ولاتفارقني كلمات والدي ولا صورته
ابدأ
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ